اسماعيل بن محمد القونوي
229
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
صرف الرجل عما يريده وهو القهر والغلبة وأصله ضرب الرأس بالمنقل فكني به عما ذكر وصار حقيقة عرفية ( للخصم الألدّ ) أفعل من اللدد وهو شدة الخصومة . قوله : ( لأنه يريك ) أي يعلمك والتعبير بالإراءة للمبالغة كأنه يريك ( المتخيل ) والمراد بالمتخيل الصورة الوهمية المحضة التي تخترعها القوة المخيلة فإذا شبهت تلك الصورة بالموجود ومثلث به كأنه صار ( محققا والمعقول محسوسا ) أي المعنى المتحقق في نفس الأمر إذا أريد تفهيمهما معقولة صرفة فربما ينازعه الوهم العقل في إدراكها فيضرب الأمثال إبرازا في معرض المحسوسات فيساعد الوهم العقل في إدراكها كما في هذه الآية الكريمة فإن حال المنافقين وصفاتهم لما كانت معقولة صرفة ضرب لها الأمثال لترى تلك الأوصاف محسوسة . قوله : ( ولأمر ما ) ولفظة ما صفة مؤكدة للتعظيم المستفاد من التنكير وذلك الأمر أن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة الوهم لأن من شأنه الميل إلى الحس وحب المحاكاة فإذا صور بصورة المحسوس ساعده الوهم وترك المنازعة والمعنى ولأمر عظيم بليغ ( كثر اللّه تعالى في كتبه ) المنزلة لا سيما في الزبور والإنجيل ( الأمثال ) ليرى المعقولات كالمحسوسات فيندفع بها الخصومات ويتوصل بها أيضا إلى اليقينيات من له عقل سليم وطبع مستقيم قيل والإنجيل خمس وثلاثون سورة منها سورة الأمثال ( وفشت في كلام الأنبياء والحكماء ) . قوله : ( والمثل في الأصل بمعنى النظير ) نقل عن الراغب أن أصل المثل الانتصاب والممثل المصور على مثال غيره يقال مثل الشيء أي انتصب وتصور ومنه الحديث من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار انتهى . فأصله الأول ما ذكر ثم استعمل بمعنى النظير ففي قوله والمثل في الأصل إشارة إلى أنه الأصل بالنسبة إلى القول السائر وغيره لكنه خلاف الظاهر وما فهم من الكشاف حيث قال والمثل في الأصل كلامهم بمعنى المثل وهو النظير أنه أصل لغوي ورضي به المص وأما ما ذكر في كلام الراغب فيحتمل أنه معنى آخر له و ( يقال مثل ) بفتحتين ( ومثل ) بكسر فسكون ( ومثيل ) كقتيل ( كشبه وشبه وشبيه ) والتشبيه في المبنى والمعنى ولأعرفيته جعل مشبها به لكن لم يعرف إطلاقه على القول السائر ونحوه كمثل . قوله : ( ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده ولا يضرب إلا ما فيه غرابة ) السائر الشائع المشهور بين الفصحاء وحقيقته قطع المسافة فشبه تداول الألسنة بتنقل الأمكنة قوله : ثم للقول السائر معنى ثم للتراخي الزماني أي ثم نقل من هذا المعنى الأصيل أي القول الدائر بين الناس له مورد ومضرب أما المورد فهو الصورة التي ورد فيها ذلك القول والمضرب هو الصورة التي شبهت بها كقولهم في الصيف ضيعت اللبن مورده أن امرأة كانت تحت رجل وكان ذلك الرجل شيخا فأبغضته فطلقها ثم تزوجها فتى وأجدبت فبعثت إلى زوجها الأول تطلب منه حلوية فقال في الصيف ضيعت اللبن فذهب مثلا ومضربه حال من يطلب شيئا فوته على نفسه في وقته .